سيد محمد طنطاوي

170

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بهم ويتبعونهم ، فأراد القرآن أن يبين لهم أن زعمهم باطل ، لأنهم لن يكونوا مؤمنين بهم إلا إذا آمنوا بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وقوله - تعالى - « لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ » بيان لثمرة الإيمان الحق الذي رسخ في قلوب المؤمنين وعلى رأسهم هاديهم ومرشدهم محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، لأن هذا الإيمان الحق جعلهم يصدقون بأن رسل اللَّه جميعا قد أرسلهم - سبحانه - بالدعوة إلى توحيده وإخلاص العبادة له ، وإذا وجد تفاضل أو اختلاف فهذا التفاضل والاختلاف يكون في أمور أخرى سوى الإيمان باللَّه وإفراده بالعبودية ، سوى ما اتفقت عليه الشرائع جميعها من الدعوة إلى الحق وإلى مكارم الأخلاق . وقد جاءت رسالة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خاتمة للرسالات ، وجامعة لكل ما فيها من محاسن فوجب الإيمان بها ، وإلا كان الكفر به كفرا بجميع الرسالات السابقة عليها . وقوله « ونَحْنُ لَه مُسْلِمُونَ » يفيد الحصر ، نحن له وحده أسلمنا وجوهنا ، وأخلصنا عبادتنا . لا لغيره كائنا من كان هذا الغير . وهذا يدل على أنهم بلغوا أعلى مراتب الإخلاص والطاعة للَّه رب العالمين . ثم بين - سبحانه - أن كل من يطلب دينا سوى دين الإسلام فهو خاسر فقال - تعالى - : « ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه » . أي : ومن يطلب دينا سوى دين الإسلام الذي أتى به محمد - عليه الصلاة والسلام - فلن يقبل منه هذا الدين المخالف لدين الإسلام ، لأن دين الإسلام الذي جاء به محمد ، هو الدين الذي ارتضاه اللَّه لعباده قال - تعالى - « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً » « 1 » ولأنه هو الدين الذي ختم اللَّه به الديانات ، وجمع فيه محاسنها . أما عاقبة هذا الطالب لدين سوى دين الإسلام فقد بينها - سبحانه - بقوله : « وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ » . أي وهو في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم بحرمانهم من ثواب اللَّه ، واستحقاقهم لعقابه جزاء ما قدمت أيديهم من كفر وضلال . وفي الحديث الشريف « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » أي مردود عليه ، وغير مقبول منه . وفي الأخبار بالخسران عن الذي يبتغى أي يطلب دينا سوى الإسلام ، إشعار بأن من يتبع

--> ( 1 ) سورة المائدة آية 3